2020، السنة التي استأثرت فيها الحرب ضد الإسلام الراديكالي بالنقاش السياسي والمجتمعي في فرنسا

أضيف بتاريخ ١٢/١٨/٢٠٢٠
و م ع - جليلة اعجاجة


باريس - من بين أهم المواضيع التي استأثرت بالنقاش السياسي والمجتمعي في فرنسا خلال سنة 2020، هي من دون شك "مكافحة الانفصالية" أو "محاربة الإسلام الراديكالي"، الذي أثار نقاشا خيم على حياة الفرنسيين وتجاوزت أصداءه حدود البلاد.

ولطالما أثار الإسلام، ثاني ديانة في فرنسا من حيث عدد الأتباع، نقاشات محتدمة في فرنسا، والتي تزداد درجة حدتها مع اقتراب كل موعد انتخابي. لكن خلال العام الذي يشارف على الانقضاء، اتخذ الأمر بعدا أكثر بروزا ليصبح موضوعا مفضلا للسياسيين ووسائل الإعلام.

وتعد هذه القضية شائكة لدرجة أن الحكومات المتعاقبة فشلت فيها بالنظر إلى أن الموضوع حساس إلى أقصى الحدود. لكن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي جعل من ذلك أحد الوعود الرئيسية في حملته الانتخابية، والذي لم يبتعد عن القاعدة، من خلال تأجيلها مرارا، قرر أن يتعامل مع القضية بشكل فعلي، من منطلق العزم على المضي بها إلى أبعد مدى على الرغم من المشاعر التي تثيرها لدى الطبقة السياسية ولدى الجالية المسلمة.

هكذا، فإن القضية الحساسة للغاية المتعلقة بمكافحة الإسلام المتطرف، المعلن عنها سنة 2018، تطفو على السطح مع كل هجوم إرهابي يرتكب في فرنسا أو عند كل موعد انتخابي. فقد أعيدت إلى الواجهة في 2020 مع اقتراب الاستحقاقات البلدية، مع إعلانات رئيس الجمهورية الفرنسية في فبراير بمولهاوس.

"محاربة الانفصالية"، "عدونا"، دون "وضع خطة ضد الإسلام"، والتي "ستكون خطئا جسيما"، و"لا لتحقير المسلمين: هذه هي الخطوط العريضة لإعلان إيمانويل ماكرون خلال هذا الخطاب الذي أعلن من خلاله أن "الإسلام السياسي لا مكان له" في فرنسا، وأن "الانفصالية الإسلامية تتعارض مع الحرية والمساواة، وتتنافى مع عدم قابلية تقسيم الجمهورية والوحدة الضرورية للأمة".

وفي غضون ذلك، أعلن أنه سيتم تقديم مشروع قانون خلال مجلس الوزراء في 9 دجنبر، من أجل "تدعيم العلمانية وترسيخ المبادئ الجمهورية"، فهذا الإصلاح تسبب في إسالة الكثير من الحبر ولا يزال يعد طموحا. فهو يروم بالخصوص إعادة هيكلة الجمعيات الدينية، وضمان استقلاليتها المادية والإيديولوجية، وتوظيف وتكوين الأئمة والقيمين الدينيين في فرنسا، ومحاربة الخطابات الأصولية والمتطرفة... كل هذا دون تحقير الجالية المسلمة: مشروع ضخم لكنه من بين الأكثر حساسية، علما أنه يتطلب الكثير من التوازن من جانب السلطة التنفيذية.

ومن المؤكد أن هذا العمل طموح لكن هل تم التحضير له بشكل جيد ؟، هل تتوفر الحكومة على الوسائل الكفيلة بضمان نجاحه ؟، كيف تعتزم تنفيذ ذلك؟، كيف تضمن الاستقلالية المالية للمساجد والجمعيات الثقافية ؟، ماذا عن استقلاليتها الإيديولوجية ؟، وعن تكوين الأئمة ؟، ما هو السبيل لمحاربة الانفصالية الإسلامية ؟، لماذا وكيف وصلت فرنسا إلى هذا الحد ؟، هي كثير من الأسئلة التي تم التفصيل فيها طوال السنة في الأستوديوهات التلفزيونية، وصفحات الجرائد، وبالمحطات الإذاعية الفرنسية.

وسيصبح النقاش أكثر ضراوة مع بدء محاكمة الضالعين في هجمات شارلي إيبدو في أوائل شتنبر 2015. ففي بادرة تحد، قررت هيئة تحرير الصحيفة الساخرة إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المجسدة لنبي الإسلام. ويزداد الجدل توترا بين من يؤيدون إعادة نشر الرسوم باسم حرية التعبير ومن يعارضونها خوفا من تدهور الوضع الأمني. وهكذا، فإن المجتمع الفرنسي ينقسم ويصل الجدل إلى ذروته من خلال هجوم بالساطور في 25 شتنبر أمام المبنى السابق لـ "شارلي إيبدو" في باريس، والذي أسفر عن إصابة شخصين بجروح.

وفي 2 أكتوبر في ليمورو بإيفلين، ألقى إيمانويل ماكرون خطابا جدد من خلاله تأكيده على الحاجة إلى "التصدي للانفصالية الإسلامية". كما أشار إلى أن الإسلام يمر "بأزمة" عبر العالم بأسره، وأن التطرف يستشري بين المسلمين وأن هناك خطرا من أن يشكل مسلمو فرنسا مجتمعات معادية. هي تصريحات لم يستصغها العالم الإسلامي، والتي أثارت انتقادات حادة اتجاه الرئيس الفرنسي.

وفي 16 أكتوبر المنصرم، بالضاحية الباريسية، عثر على مدرس مادة التاريخ، كان قد عرض رسوما كاريكاتورية في إطار حصة حول حرية التعبير، مقطوع الرأس بالقرب من مؤسسته. فقد أثار الهجوم، الذي نفذه لاجئ شيشاني شاب، لاسيما على ضوء أسلوب تنفيذه وهدفه، ضجة كبرى لدى الرأي العام والطبقة السياسية، كما أثار إدانة واسعة من قبل المجتمع الدولي الذي عبر عن تضامنه مع فرنسا.

وفي 21 أكتوبر، خلال مراسم تكريم وطني في السوربون لصمويل باتي، أكد الرئيس الفرنسي مرة أخرى عزمه على عدم التراجع عن محاربة الإسلام المتطرف. حيث أعلن في هذا السياق أن فرنسا لن تتخلى أبدا عن الرسوم الكاريكاتورية، باسم حرية التعبير. وهو الموقف الذي أسيء فهمه مرة أخرى في العالم الإسلامي، وسيؤدي إلى أزمة دولية. هكذا، ستتأجج الإدانات لتصريحات إيمانويل ماكرون في كل مكان، وستتضاعف المظاهرات والدعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية، لاسيما في الكثير من البلدان الإسلامية.

وفي مواجهة الاحتجاجات على تصريحاته، خص الرئيس الفرنسي قناة الجزيرة في 31 أكتوبر بحوار أراد من خلاله نزع فتيل الأزمة مع العالم العربي-الإسلامي. كما أنه كلف وزير خارجيته بالقيام بجولات توضيحية في العديد من دول العالم الإسلامي. وفي أوائل نونبر، نشر عمودا على صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية ليوضح أن "فرنسا تحارب الانفصالية الإسلامية، وليس أبدا ضد الإسلام". 

وعلى الرغم من مناخ التوتر هذا، قرر الرئيس الفرنسي مواصلة عمله وطالب الحكومة بتنقيح مشروع القانون ضد "الانفصالية" والإسلام الراديكالي، الذي أراده إيمانويل ماكرون كشاهد سياسي قبل 2022، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية.

وبعد عدة نقاشات حول تسمية مشروع القانون، سيطلق على النص بشكل نهائي ورصين "مشروع قانون يعزز المبادئ الجمهورية". وبطبيعة الحال، يروم هذا النص، الذي عرض في 9 دجنبر على مجلس الوزراء، محاربة الإسلام الراديكالي و"الانفصالية" وليس فقط ذلك. حيث سيصل إلى الجمعية الوطنية في فبراير 2021، ومن ثم إلى مجلس الشيوخ.

وحسب وسائل إعلام البلاد، التي تمكنت من الوصول إلى المسودة الأولية للقانون، فإن النص يتناول جزئيا إصلاح قانون 1905 حول العلمانية (الذي جرى إعداده في العام 2018 وتم التخلي عنه في زمن السترات الصفراء)، من دون تعديل خطوطه العريضة. حيث تروم تدابيره الأساسية تنظيم وضمان تمويل أفضل للشأن الديني الإسلامي (الذي غالبا ما يأتي من الخارج)، ومعاقبة أولئك الذين يجبرون شخصا على ممارسة عبادة ما، وتعزيز الرقابة على المدارس خارج التعاقد والجمعيات الرياضية...

وبالموازاة مع ذلك، صعدت السلطة التنفيذية نبرتها ضد الإسلام المتطرف وأعلنت عن هجوم شامل على "المساجد الانفصالية"، ليتم وضع ما لا يقل عن 76 مسجدا تحت المراقبة. فحسب المتتبعين، يهدد وضع الإسلام تحت المراقبة بتأجيج عدم ثقة مسلمي فرنسا أكثر مما هو عليه الوضع، والذين لديهم انطباع بأنهم يتعرضون للتحقير والإذلال كلما كانت البلاد تستعد لاستحقاقات انتخابية في سياق تصاعد التطرف اليميني.

وكما هو الحال في 2020، يبدو أن النقاش سيكون بنفس القدر من الإثارة في 2021، السنة المحورية التي سيتجند فيها مختلف المرشحين الذين عبروا عن رغبتهم في الترشح للانتخابات الرئاسية في أبريل 2022، من أجل إقناع الناخبين !