المسجد الكبير بتازة.. معلمة معمارية من إرث الحضارة الموحدية

أضيف بتاريخ ٠٤/٢٩/٢٠٢١
و م ع


تازة - يشكل المسجد الكبير أو الجامع الأعظم، كما يسميه التازيون، معلمة من المعالم الحضارية والدينية والفضاءات التاريخية لمدينة تازة. تعكس عبقرية الصانع المغربي وجمالية الفن المعماري الأصيل والغنى الحضاري والتنوع الثقافي للمدينة.

وقد شيد المسجد في عهد الموحدين خلال أوائل القرن السادس الهجري، لكنه لم يتم على الشكل الذي ما زال عليه إلا في عهد المرينيين الذين أتموا شطره الثاني، فأضافوا فيه ست بلاطات وقبة مشرفة على المحراب تعتبر من أبدع القباب تصميما وزخرفة وأجملها رونقا. ووقع تجميل المسجد بثريا فريدة، أمر السلطان أبو يعقوب يوسف المريني بتعليقها سنة 694 هـ.

ومن أبرز ما يميز المسجد الكبير، الثريا الكبرى النحاسية التي تزن 32 قنطارا وتحمل 514 فنجانا، التي عوضت حاليا بمصابيح كهربائية، علقت في وسط المسجد. إذ أمر بصناعتها السلطان يوسف أبو يعقوب ونصبت بمكانها سنة 1294م لتعتبر أكبر ثريا بالعالم الإسلامي إذ يبلغ ارتفاعها، بما في ذلك القائم، أربعة أمتار ونصف المتر، ويبلغ قطرها مترين ونصف المتر. تميزها زخرفتها التي تسترعي اهتمام الباحثين، فقد حفظت فناجين الثريا على نحو رائع، ونقشت عليها آيتان: الأولى من سورة النور تبتدئ بعد التعوذ والبسملة من قوله تعالى: } الله نور السموات والأرض { إلى قوله تعالى } والله يرزق من يشاء بغير حساب { والآية الثانية من آخر سورة البقرة تبتدئ بعد التعوذ والبسملة من } آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون { إلى قوله تعالى } فانصرنا على القوم الكافرين { ، كما نقش في أسفل دائرتها أبيات تعرف بنفسها للزائر.

إلى جانب هذه الثريا الضخمة يقابل محراب هذا المسجد جرس زيدت فيه بعض الدوائر النحاسية المنقوشة فأصبح على شكل ثريا صغيرة الحجم وقد صممت طبقا للتقاليد المتبعة. وينتهي ساق هذه الثريا القصيرة بحلقة ذات خمسة فصوص وضعت فوق زهيرة ويتشكل جسمها من ثلاثة أجزاء منشورية الشكل مسدسة الأضلاع ذات ارتفاع تنازلي وتقترب بهيئتها من شمعدان جامع القرويين الذي يذكر بعصر محمد الناصر الخليفة الموحدي الرابع.

وتوجد بالجامع الكبير أيضا خزانة علمية تعد الآن أقدم خزانة علمية بالمغرب الإسلامي وقد كانت ولازالت تزخر بالمخطوطات النادرة. أنشئت في البداية بهدف حفظ كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض، مع رسائل الموحدين وغيرها من الكتب الدينية والعلمية الهامة. وقد تم تجديد مرافقها في العهد المريني، لتشمل ذخائرهم ، ومنها كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لابن بطوطة، إذ يوافق تاريخ الانتهاء من تأليف هذه الرحلة، التأسيس الثاني لهذه الخزانة في عهد أبي عنان فارس المريني عام 757 هجرية الموافق لعام 1356م، حسب ما هو منقوش حول إطار باب الخزانة القديم داخل المسجد. وفي عام 1973م تم وضع قائمة بمحتوياتها توجد ضمن الفهارس العامة بالخزانة العامة بالرباط.

وتضم هذه الخزانة العديد من المخطوطات والوثائق والرسائل الموحدية الأصلية التي في مجملها للمهدي بن تومرت٬ حيث نشر بعضها في كتاب "أعز ما يطلب"٬ وقد بلغ عدد هذه المخطوطات 907 مخطوط٬ حسب الفهرسة التي نشرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وما يزيد المسجد الأعظم مكانة وحسنا، انتظام إحياء الحفلات الديني ة بين أركانه في أجواء ديني ة رب انية، تسود فيها تلاوة القرآن الكريم والأمداح النبوية الشريفة، الأمر الذي يجعل من المسجد قبلة للتازيين يفدون إليه أفرادا وجماعات، يؤدون فيه شعائرهم الدينية، ويستنيرون بما تجود به كراسيه العلمية من العلم والمعرفة.

وبنيت بجوار المسجد الكبير، مدرسة اليوسفية، نسبة إلى بانيها أبي يعقوب يوسف، ثالث ملوك بني مرين، واعتنى بها المولى الرشيد لتأخذ اسمه، وتسمى مدرسة المولى الرشيد، إلا أنها معروفة لدى الأوساط التازية بالمدرسة اليوسفية.

ويوجد بالجامع أيضا منبر يعد أحد المنابر التاريخية الأثرية الثلاثة الموجودة في المغرب منذ أكثر من ثمانية قرون (آخران يوجدان بكل من فاس ومراكش). وهو غاية في الدقة والروعة والجمال، مصنوع من خشب الأبنوس ومزخرف بطريقة الحشوات المجمعة والمطعمة بالصدف والعاج. صنع خلال العهد الموحدي وأعيد ترميمه في العهد المريني وقد اعتلاه على مر أزمنته ثلة كبيرة من الخطباء الفطاحل الأعلام الذين خطبوا في الناس بالحكمة والموعظة الحسنة من فوق منبر هذا الجامع العظيم.