خطر بعض الملحدين على العلمانية

أضيف بتاريخ 10/06/2021
الحوار المتمدن - سامح عسكر


لا يختلف اثنان أن الهدف من اللقاءات والندوات والمجامع الفكرية هو تبادل الآراء وتلاقح الأفكار وتقريب وجهات النظر، لكن أن يتحول هذا اللقاء وتلك الندوات لوصلة هجوم على الآخر وقتها يطرح التساؤل، هل يوجد إيمان بحق الآخر في الرد والدفاع عن نفسه؟..وهل تلك اللقاءات خرجت من معناها الإنساني الأسمى لمجلس تحريض وكراهية؟

في متابعتي لمجالس التنوير الناقدة من داخل الصندوق الإسلامي أو التي تطرح رؤى متباينة حول ماهية الفكر وتحليل المعتقدات وأحداث التاريخ..وجدتها في معظمها تعمل على مسارين اثنين، الأول: هو الرد على التكفيريين ودعاة الكراهية والعنصرية والخرافة الدينية التي تخدم هذا العنف، الثاني: احتواء غير المسلمين والتسامح معهم وفرض تلاقح الأفكار مع تلك الفئات المتعددة من الفكر الإنساني، ويمكن استقراء هذه الرؤية بمتابعة برامج تنويرية إسلامية كبرنامج "ألم" على قناة الميادين مثلا، أو "مختلف عليه" على قناة الحرة، أو برامج إسلام بحيري المتعددة كالخريطة والبوصلة ومع إسلام وغيرها، وآخر هذا العنقود برنامج "يتفكرون" للدكتور خالد منتصر الذي توقف قبل عدة أشهر بعد مسيرة فكر وتنوير لسنوات..

هذه الحالة الثقافية النادرة تفرض على المسلمين أو الذين ينضوون تحت لواء الفكر الإسلامي كالعرب مثلا أن لا يُضخّموا من إحساسهم في الشعور بالمؤامرة والاضطهاد، ومن ثم الوقوف على موطن الداء الحقيقي واستئصاله من الجسد، وهي طريقة نقد ذاتية تفضلها الأمم الناهضة دوما، وتعريف الأمة هنا هو الشعب الذي يعمل بإرادة جمعية ثورية على الكهنوت وثقافة الكراهية والعنف..وبالتالي رفض كل أشكال الحروب والصراعات المبنية على الانتماءات الشخصية، علما بأن تلك الإرادة لا تعمل إلا في سياق سياسي غالبا ويتطلب دعمها قرارات حكومية واضحة واتجاه سياسي حازم من مسئولي الدولة بدعم المستنيرين والمفكرين.

حتى إذا سلمنا بصدق هذه المؤامرات فلا ينبغي أن يتحول جهد المسلمين للانبهار بها والصمت إعجابا وتفخيما مما يستدعي خوفا كبيرا في المقابل، وهذا سر الهزائم التي تلقاها الشعوب غالبا في مجال السياسة..فلو صدقت تلك المؤامرات يجب أن لا يتحول مقاومتها لهاجس ومرض نفسي يمنع فورا من رصد وسائل صدّها، او ابتكار أساليب مقاومة ذاتية على الأرجح لن توجَد سوى بتوحيد غالبية الشعب برؤية وحدوية قومية، وهنا تأتي فائدة القوميات بنقل الشعوب فكريا بطريقة أسهل مما لو غابت تلك القومية، فالمجموع لا ينشط سوى بمحفزات..وتلك المحفزات يجب أن تتناغم فيها المصالح مع الهوية مع الأخلاق بشكل متقن، ولا يبرع في ذلك برأيي سوى المثقفين الذين هم في تقديري الأبرز في هذا المجال والأقدر على اختيار الزمان والمكان والأسلوب المناسبين..

وحتى لو كانت تلك المؤامرات صحيحة فلا ضرر من تنوع الفكر وتعدد المناهج فقط لخدمة الإنسان وأصالة قيم الخير والحق والجمال والعدل، مما يعني أن قضايا التنوير والإصلاح هي التي يلتزم فيها البشر بتلك القيم أساسا، ويستوي في ذلك المؤمن مع الملحد، والمسلم مع المسيحي واليهودي، والسني مع الشيعي والصوفي والسلفي، الجميع يعمل لتلك القيم قدر الإمكان، ولا ينبغي نزع صفات التنوير والإصلاح عن أحدهم إذا عمل في نفس السياق..وتبقى مشكلة تمييز الطريقة..فلكل طُرقه المختلفة في التنوير وأحيانا يختلط علينا التمييز بين طريقة التنوير وبين الانحراف الفكري أو المصادرة والإقصاء، والحل في ذلك لن يكون خارج الندوات واللقاءات والمؤتمرات التي تقرب وجهات النظر وتحل معضلات الفكر كما تقدم.

وشخصيا عندما أرى هجوما وإقصاءا عند فئة أعلم يقينا بأنها تعاني من تجاهل وشعورا بالنقمة سواء على المجتمع والطوائف أو على النخبة التي تجاهلتهم، وهذا كان تفسيري لهجوم "حامد عبدالصمد" مثلا على العلمانيين المسلمين ونزع صفات التنوير عن كل مسلم عاقل متهما له في أخلاقه وشرفه كقوله بالتقية والنفاق والازدواجية ..إلخ، ورأيت أن هذا الهجوم ترافق مع صعود تلك البرامج المستنيرة الناقدة من داخل الصندوق الإسلامي والمذكورة عالية قبل 4 سنوات تقريبا، فتلك البرامج تدعو للعلمانية والاستنارة صراحة لكنها لا تتبني خط الإلحاد، وأكثرية ضيوفها من المحسوبين على الإسلام كدين، والبقية غير مهتمين بالتصنيف، فيكون هجوم حامد وجمهوره اللاديني على عقلانيي المسلمين ترافق مع هذا التجاهل الذي لاقوه من نخبة المجتمع العلمانية التي كان يفترض لها حفظ جميل حامد ورفاقه على التنوير كما يظن..

فالمشكلة نفسية إذن..وبرأيي أن تلك البرامج قد تكون أخطأت في استبعاد ذوي النزعة الإلحادية الواضحة لضرورة اجتماعية وسياسية وإدارية خاصة بتلك القنوات ومنع اتهامها بالترويج للإلحاد، ومن ثم يبقى الملحد في دائرة اليوتيوب نشطا وهي دائرة كبيرة لا يُستهان بها، وإذا وظفت جيدا ربما تطغى أو تنافس تلك البرامج العلمانية والنقدية في القنوات الأخرى..

وتصرف هذا التيار الإلحادي يستوجب السؤال: هل يخدم ذلك التنوير كما يظنون أم سيؤدي حتما للحزبية؟ فسواء قبلوا ذلك أو رفضوه هم يساهمون في تشويه صورة العلمانية والاستنارة لدى المجموع عن طريق ربطها بالإلحاد قولا واحدا، ومن ثم تدمير شخصية العلماني ودفعه للذوبان في ثقافة مجتمع أصولي كي يتحول بالتدريج عن قناعاته الفكرية، وبرأيي هذا حدث في محطات تاريخية متعددة ، مثلما تحول طه حسين والعقاد للرؤى الدينية والتصنيف العقائدي منذ الخمسينات بالتوازي مع صعود الإسلاميين وتحالفهم مع الجيش، وتلك الرؤى الدينية ليست مخصوصة فقط بالسياسة ولكنها حركة فكرية دينية شاملة اخترقت جوانب الاقتصاد والتجارة والسياسة والإعلام والأدب يمكن القول بها أن التحول المصري للشخصية الدينية المحافظة بدأ منذ هذا التوقيت، وهي الفترة التي شهدت بوادر تحجب واعتزال الفنانين مثلما حدث لحسين صدقي وليلى مراد كمثال..

ومثلما تحولت النخبة المصرية أيضا في التسعينات منذ مقتل فرج فودة إلى النقد الرمزي وعدم الاصطدام بالجماعات والثقافة الدينية المحافظة التي كانت تؤيد في عمومها فكرة السلطة الدينية مُمثلة في الإخوان والسلفيين، ومن ثم تواطأت بعض هذه النخب مع الإسلاميين في الترويج لمصطلحات الشريعة وأسلمة المجتمع حتى رأينا التلفزيون المصري يستضيف زعماء وشيوخ الإخوان كواعظين مثلما حدث للشيخ عمر عبدالكافي ، وبرامج دينية ذات لمحة سياسية واضحة كبرامج كاريمان حمزة وجمال الشاعر..

فما يفعله بعض الأخوة الملحدين هنا يخدم هذا التيار الأصولي للضغط على العلماني المسلم والمستنيرين المسلمين ، فهم علاوة على كونهم الأقدر على مخاطبة الوعي الجمعي الإسلامي والعربي هم أيضا متهمين من الطرفين، أي من الطرف الأصولي المسلم بالكفر والإلحاد، ومن طرف هؤلاء الملحدين بالترقيع وتلميع الدين..فيكون العلماني المسلم مهددا من إرهابي يهدده بالقتل، وملحد يهدده بالإقصاء والاحتقار، فلا يجد لديه وسيلة للهروب من ذلك المأزق سوى الصمت أو الذوبان في الثقافة العامة، فالأرضية الصلبة التي كان يتكز عليها قد هُدمت وصار مغضوبا عليه من الجميع..علما بأن الدولة لا تساند فئة المستنيرين المسلمين بالغالب لنتائج ذلك الوخيمة – حسب رؤيتهم – على مصالح السلطة والأحزاب وصورتها أمام الجماهير، ومن ثم فالمصلحة السياسية للحزب تستوجب عدم التحالف مع المثقفين والمفكرين بالمجمل بل مع الأعيان ومراكز القوى ورجال الدين بوصفهم الأقدر على التواصل مع الشرائح الاجتماعية المختلفة ومخاطبة وعي الجمهور البسيط..

أختم بإيماني العميق بأن للتيار الملحد عموما جمايل وأفضال على الحركة الفكرية الصادمة للوعي الإسلامي، فبعضهم وعن طريق الميزة الكبرى في التفكير من خارج الصندوق امتلك الشجاعة لمناقشة مسائل القضاء والقدر، والخير والشر..وهي أمور عفّ عنها العقل المسلم طيلة قرون، أو كان يناقشها عقلانيي المسلمين في فترة من الفترات بأساليب التدوير والتبرير، لكن في ذات الوقت لا يمكن إهمال رؤية وأفضال كثيرا من مفكري المسلمين وعلمانييهم على حركة الفكر واستنباط مفاهيم كثيرة وحلّا لمعضلات كبرى في تصور الدين، فالذي يعيد إحياء فلسفات ابن سينا والفارابي وابن رشد كمثال ثم يعمل على تطويرها هو يساهم في استقراء الحالة الإسلامية بشكل واقعي ومن ثم البناء على هذا الواقع لعلاجه أو استخدامه مرحليا في الإصلاح التدريجي..

وكلا الفريقين المؤمن والملحد يتطلب أن تكون رؤيته متكاملة خاصة بقضايا اللاهوت والفكر والتاريخ واللغة..إلخ، بينما هذا العنصر الإلحادي الخطر لا يناقش قضايا اللاهوت واللغة والفلسفة والمنطق، بل يبني على وقائع تاريخية وصورة ذهنية ماضوية أحكاما غاية في التعميم على الطائفة المسلمة ككل، وهذا اتجاه عنصري يحاسب الأخلاف بخطايا الأسلاف، ويعمم على خواص الناس صورته عن المجموع، وهذا فقر معرفي وضعف خيال يعاني منه هذا التيار الملحد الذي برأيي لو امتلك الشجاعة لمناقشة قضايا الفلسفة واللاهوت كمثال ربما يتغير رأيه عن ما يصفوه بالترقيع أو تفاهة الأديان، ليرى صورة أوضح أن ما حمل المتدين على الإيمان ليست تلك الأحداث التاريخية التي يرفضها بالغالب، ولكن لارتباط هذه الفلسفات بالأخلاق ومصالحه في المجتمع بشكل جذري، فكيف تطلب من إنسان أن يتخلى عن أخلاقه ومصالحه لمجرد رفضك لجرائم المسلمين قبل 1400 عام في الجمل وصفين؟؟!

إنه لقياس عجيب ينزع ذاتيا للظلم والبخس لمجرد الكراهية، ويرفض كل الحجج والمعطيات التي قد تثنيه على تلك الرؤية السوداوية للحياة..انفتحوا..

سامح عسكر
كاتب علماني حر وباحث تاريخي وفلسفي

المصدر