كلمة باسم علماء المملكة المغربية في ختام أشغال ندوة التراث الإفريقي الإسلامي بين الذاكرة والتاريخ بأبوجا

أضيف بتاريخ 11/08/2021
مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة


كلمة باسم علماء المملكة المغربية في ختام أشغال ندوة التراث الإفريقي الإسلامي بين الذاكرة والتاريخ – فضيلة الدكتور اليزيد الراضي عضو المجلس العلمي الأعلى بالمغرب

بسم الله الرحمن الرحيم

“الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله “ (الأعراف 42)، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه تؤتى المكرمات، وتُسَدَّدُ الوجهات، وتُرشَدُ المسيرات، وبعونه ومدده تنجح اللقاءات والندوات وتؤتي ما يُرجى منها من يانع ونافع الثمرات، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة مهداة للعالمين، وإسوة حسنة للمؤمنين، سيدنا محمد بن عبد الله، عليه من ربه أزكى الصلاة وأطيب السلام.

وبعد؛ فها نحن قاب قوسين أوأدنى، من إسدال الستار، على آخر فصل من فصول هذا المحفل العرفاني، واللقاء الرباني، الذي جندت لإنجاحه طاقات مادية ومعنوية، وبذلت في سبيل تحقيقه لأهدافه جهود طيبة مشكورة، ومساع خيرة مبرورة.

ونحمد الله العلي القدير، البر الرؤوف الرحيم، على أن أنجح المساعي، وأخصب المراعي، وكلل الأعمال بالنجاح الباهر، ورتب المسببات على الأسباب، والنتائج الطيبة على المقدمات، وتُوج الملتقى، بأكثر مما توقع منه المنظمون، وما توخى منه المشاركون، ولا شك أن الأعمال الصالحة، يحفها التوفيق والتسديد والتبريك، إذا حسن القصد، وقويت الإرادة، وشحذت العزيمة ” إن يعلم الله ما في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا “ (الأنفال: 71) و” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ” (البخاري).

لكن سر الله في صدق الطلب ** كم ريء في أصحابه من العجب

وقد كان هذا اللقاء العلمي الرائع، النافع الماتع، حلقة متميزة من سلسلة اللقاءات الناجحة، التي تنظمها في البلدان الإفريقية الشقيقة، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، بتعاون وتنسيق مع الكفاءات الإدارية والعلمية للبلدان الإفريقية.

وقد أحسنت المؤسسة صنعا أولا: حين اختارت لهذا اللقاء موضوع ” التراث الإسلامي الإفريقي بين الذاكرة والتاريخ “، لأنه موضوع شيق، ذوأبعاد علمية وروحية وفنية ووطنية وحضارية، تمس الحاجة إلى تناوله ودراسته من أجل التعريف به من جهة، ومن أجل اكتشاف أساليب حمايته والمحافظة عليه ودرء الأخطار عنه، واستغلاله وتوظيفه، لجمع الشمل، ورأب الصدع، وتوحيد الصف، وتوضيح الرؤى والاستبصارات من جهة ثانية.

وأحسنت صنعا ثانيا: حين اختارت لتناول محاوره، وإنارة جوانبه المختلفة، ثلة فاضلة من العلماء المتمكنين، والباحثين الأكفاء المقتدرين، وأعطت بذلك القوس باريها، وأسكنت الدار بانيها، فلله ذره وذرها. وقد قام السادة العلماء والباحثون بمهمتهم أحسن قيام، فأزالوا اللثام عن هذا الوجه المشرق الجميل، من وجوه أفريقيا الضاحكة المستبشرة، وأبرزوا هذا الكنز الثمين، من كنوزها الذهبية الغالية، التي يجب وجوبا علميا ودينيا وحضاريا، على الأجيال المتعاقبة، أن تبذل قصارى جهدها، لصيانتها والمحافظة عليها وتنميتها، ليستمر توارثها والانتفاع بها، باعتبارها ذاكرة إفريقية غنية متنورة، تحمل بصمات الماضي الماجد، والحاضر الراشد، وتشي إن أعيرت العناية اللائقة، والرعاية الفائقة، بمستقبل باسم واعد، والذاكرة كما لا يخفى مستودع آمال الأمم وآلامها، وخَزّانُ علومها وآدابها وفنونها، ومصدر عزتها وكرامتها، وأساس نهضتها ورُقيها وازدهارها، وأمنها واستقرارها، ومنبعُ ثقتها بنفسها وربها، وهي التي تملأ الشعوب حيوية وحماسا، وتدفعها برفق ولطف إلى حمل المشعل، والانطلاق بثبات وصمود، وتفاؤل ونشاط، على درب البناء والتشييد، والتطوير والتجديد. وهي التي تحمل الأبناء والأحفاد، على الاعتزاز بالانتماء إلى الآباء والأجداد، لتتكامل الأجيال، ويستفيد لاحقها من سابقها، وتتسلسل حلقات الأمجاد دون انقطاع.

ومما أعطى لهذا اللقاء، نكهة خاصة، وطعما متميزا، تنظيمُهُ في هذا البلد الكريم المضياف ” جمهورية نيجيريا الاتحادية “، التي أسهمت إسهاما كبيرا في تأثيث المشهد العلمي والروحي والفني والحضاري الإفريقي، والتي امتازت في تدينها وثقافتها وسياستها وعلاقاتها الدولية، بالوسطية والاعتدال والتسامح والحوار.

وقد فتحت بكل شرائحها وفئاتها ذراعيها لاحتضان المنتدين، واستقبلتهم بحفاوة بالغة، وبما عُرِف عن أبنائها من بشر وابتسام، ولطف وود ووئام، وطردت بذلك عن الضيوف الشعور بالغربة، وأنستهم وعثاء السفر، بل أشعرتهم بأنهم بين أهليهم، ووسط ذويهم وإخوتهم، فلهذه الدولة العظيمة منا جميعا، صادق الشكر، وفائق التقدير، وعميق الثناء، وجزيل العرفان.

سادتي الأفاضل، سيداتي الفضليات؛

لقد واكب التوفيق الإلهي خطوات هذا اللقاء، وساند العون الرباني السادة المشرفين على هندسته وتنظيمه، فكان مباركا ميمونا، وكان موفقا ناجحا على مستويات عدة:

  • المستوى التنظيمي، الذي يشهد الجميع بإحكامه وإتقانه إن على المستوى اللوجيستي والمادي، أوعلى المستوى العلمي والثقافي، فالمحاور الأربعة، وما تحتضنه من مباحث، تتعانق فيما بينها وتتكامل، ويطبعها جميعَها حسنُ التبويب والتقسيم والتنظيم، وتغطي مجتمعة رقعة الموضوع المطروح للنقاش، دون زيادة ودون نقصان، ودون إملال ودون إخلال.

والورشات الأربع المنظمة على هامش اللقاء، بالغة الأهمية، لأنها تدخل في إطار تكوين العنصر البشري الإفريقي، وتأهيله في مجال التعامل مع التراث المخطوط وصفا وفهرسة، وصيانة وحفظا، وإخراجا وتحقيقا، ومساءلة واستنطاقا.

  • مستوى العروض؛ التي يشهد كل الحاضرين بجديتها وعمقها، وإقناعها وإمتاعها، وإسهامها إسهاما كبيرا في التعريف بالتراث الإسلامي الإفريقي المخطوط من حيث واقعه وآفاقه.
  • مستوى تحقيق الأهداف؛ لقد حققت هذه الندوة العلمية الدولية، كل الأهداف المتوخاة منها، وعلى رأسها:
  • إزالة اللثام، عن التراث الإسلامي الإفريقي المخطوط، وإبرازه كنزا ثمينا من كنوز إفريقيا، التي يجب الحفاظ عليها، وعدم التفريط فيها.
  • الكشف عن آليات علمية للكشف عن هذا التراث وترميمه وصيانته، باعتباره إرثا إفريقيا من جهة، وإرثا إنسانيا من جهة ثانية.
  • الكشف عن سبل توظيفه واستغلاله في التنمية البشرية الشاملة، وفي ترسيخ قيم السلام والتسامح والتعايش والحوار.
  • مستوى المعرض الموازي، الذي يشهد بصحة ما ورد في العروض، وهو شاهد عدل لا ترد شهادته، بالرغم من أن ما عُرض مجرد نماذج للتمثيل، وهي لا تمثل إلا قطرة من بحر، وغيضا من فيض.

وخلاصة القول أن المنتدين، استمتعوا بهذه الندوة المباركة، وانتفعوا بها انتفاعا كبيرا، وقطفوا من روضها ثمارا يانعة، وفوائد قيمة، زادتهم معرفة بالقارة الإفريقية المعطاء، وأقنعتهم بأن هذه القارة، تملك من الكنوز المادية والمعنوية والروحية، وما يؤهلها للقيام بدور كبير في إغناء التراث الإنساني، ويعطيها مركز الريادة في مجالات حيوية شتى، وهم جميعا يمتنون للجهات المنظمة والمشرفة والمنفقة، ويعتزون بما لقوا من حفاوة الاستقبال، وكرم الضيافة، طيلة إقامتهم بهذا البلد الطيب الأعراق، الذي طبقت شهرته وسمعته الطيبة الآفاق.

وإنهم ليشكرون جزيل الشكر، امير المؤمنين، صاحب الجلالة والمهابة، محمدا السادس عاهل المملكة المغربية الرائدة، على ما أحاط به مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، من جميل العناية، وكريم الرعاية وما يوفر لأنشطتها الجادة الهادفة، من أسباب النجاح، أدام الله نصره وتأييده، وتوفيه وتسديده، وأقر عينه بولي عهده المولى الحسن، وسائر أفراد أسرته وشعبه.

كما يشكرون مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، بكامل أجهزتها وأطرها، وجنودها الذين يعملون في الخفاء، ويوفرون للعلماء الأفارقة الأفاضل، ظروف الراحة والاطمئنان، للعمل بثقة وتفاؤل خدمة لإفريقيا، ومن خلالها خدمة للإنسانية جمعاء.

ويشكرون كذلك جمهورية نيجيريا الاتحادية، على ما وفرت للندوة من ظروف منعشة مريحة، مكنت المنتدين من إنجاز مهامهم في جوعلمي روحي رباني رائع.

ولا ينسى المنتدون، أن يتوجهوا بالشكر الجزيل، إلى السادة العلماء الأفاضل، والسادة العلماء الأماثل، الذين أثثوا مشهد هذه الندوة بعروضهم القيمة، التي أفرغوا فيها عصارة أفكارهم، وخلاصة تجربتهم وخبرتهم، ولونوها بمناهجهم وأخلاقهم ووقارهم وهيبتهم، تقبل الله منهم، ونفع بعلمهم وصلاحهم.

وختاما نسأل الله العلي القدير، أن يسدد خطانا على المحجة البيضاء، وأن يجعلنا خداما أوفياء لديننا وأمتنا، وأن يؤتينا سبحانه وتعالى من لدنه، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن يرفع هذا الفيروس الخطير، الذي أقض المضاجع، ونشر الرعب في المعمور، وأن يريح منه المسلمين والبشرية جمعاء، آمين، والحمد لله رب العالمين.