رحلة قيادي في طالبان.. من القنص إلى رئاسة بلدية أفغانية

أضيف بتاريخ 02/18/2022
أ ف ب


يتوقف دام الله مهيب الله موفق ليتبادل الحديث مع عمال ينظفون قنوات الصرف الصحي في بلدة ميمنة في شمال أفغانستان مبتسما. قبل بضعة أشهر، كان رئيس البلدية الشاب هذا قناصا في صفوف حركة طالبان.

لكن قبل بضعة أشهر فقط، كان موفق من بين أبرز القن اصة في صفوف حركة طالبان التي قاتلت على مدى سنوات للسيطرة على البلاد إلى أن تحقق مرادها الصيف الماضي.

وعين موفق رئيسا لبلدية ميمنة عاصمة ولاية فارياب في شمال غرب أفغانستان، في تشرين الثاني/نوفمبر، أي بعد ثلاثة شهور على إطاحة الحركة بالحكومة المدعومة من الغرب واستيلائها على السلطة.

برز موفق كمقاتل شرس إلا أن جدول أعماله بات اليوم يزخر بمهام الحكومة المحلية اليومية مثل متابعة حسن عمل شبكات الصرف الصحي مرورا بتخطيط الطرق ووصولا إلى تسوية خلافات داخل الأحياء.

ويعكس تبد ل حاله التحو ل الأوسع الذي تشهده طالبان، في وقت يجهد عناصرها لإدارة المناطق التي سيطروا عليها.

وقال رئيس البلدية البالغ 25 عاما لوكالة فرانس برس "عندما كنت أقاتل، كانت أهدافي محددة للغاية: إنهاء الاحتلال الأجنبي والتمييز وانعدام المساواة".

وأضاف "والآن أيضا، أهدافي واضحة: مكافحة الفساد وجعل البلد مزدهرا".

وأثناء تجو له في شوارع ميمنة، يأتي إليه سكان المدينة التي تعد 100 ألف نسمة بشكاوى ومقترحات تضاف إلى قائمة مهام تطول. ويقول نائبه، غير المنضوي في طالبان، سيد أحمد شاه غياشي "رئيس البلدية الجديد شاب ومتعل م والأهم هو أنه ينتمي إلى المدينة".

وأضاف "يعرف كيف يتعامل مع الناس".

وبخلاف عناصر طالبان الريفيين الفقراء، الذين تلقوا تعليمهم في مدارس إسلامية، يتحد ر موفق من عائلة تجار أثرياء ونشأ في ميمنة، حيث تمي ز في الدراسة والرياضة.

وتزي ن تذكارات من سن المراهقة مكتبه بينها شهادة من مسابقة للفنون القتالية وشهادته المدرسية للمرحلة الثانوية.

وبعدما انضم إلى صفوف المتمر دين في سن 19 عاما، تم ت ترقيته ليقود وحدة صغيرة تم نشرها في ولاية فارياب.

ويصفه آخرون بأنه من بين قن اصة طالبان الأكثر مهارة، رغم تحفظه على الحديث عن فترة الحرب.

لكن خلال جولة مع وكالة فرانس برس، يتوقف أمام منزل تبدو عليه آثار الذخيرة قرب قرية دوراي خويجا قوشري، حيث كانت وحدته مسيطرة في الماضي.

وهنا كان يختبئ ويحدد مواقع الجنود الأميركيين باستخدام بندقيته، وكسب سمعته كبطل في الرماية.

وقال مزارع محلي يدعى سيف الدين "قتل أميركيا ببندقيته من هذا المنزل، ومن ثم اقتربت طائرة وقصفته".

ومع أنه تعذر تأكيد مسؤولية موفق عن العملية، أعلنت الولايات المتحدة في منتصف العام 2019 أن أحد عناصر قواتها الخاصة قتل خلال معارك في فارياب.

وقبل عام على ذلك، أفادت "شبكة المحللين الأفغان" أن ميمنة "تحت الحصار عمليا"، نظرا إلى "حضور واسع ولافت لطالبان".

وكان موفق شاهدا على مقتل عدد من رفاقه خلال المعارك لكنه تهر ب من الحديث عن الفظائع، سواء تلك التي ارتكبها أو تعر ض لها.

ويقول "مررت بتقل بات كثيرة".

وات همت الأمم المتحدة ومجموعات حقوقية طالبان بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ استولت على السلطة في آب/اغسطس.

وتم تحميل الحركة المسؤولية عن مقتل أكثر من مئة من عناصر الحكومة السابقة أو قواتها الأمنية، فيما تم اعتقال ناشطات وضرب صحافيين غطوا تظاهرات نسائية.

ويبدو موفق في مظهره الخارجي مع لحيته الكثة وعمامته السوداء كأي شخصية أخرى من طالبان، إلا أنه من نواح كثيرة يمث ل رمزا غير تقليدي لفكر الحركة المتشدد.

وفي أنحاء البلاد، أبعد الإسلاميون النساء عن الحياة العامة، إذ حظروا على الفتيات دخول المدارس الثانوية والجامعات إلى حد بعيد فيما منعوهن أيضا من أماكن العمل.

لكن في مكتب موفق، س مح للنساء بالبقاء في وظائفهن وتم تخصيص حديقة عامة في المدينة لهن.

وفي ظل نظام طالبان الأول من العام 1996 حتى 2001، كان البرقع إلزاميا بالنسبة لجميع النساء.

لكن الشرطة الدينية امتنعت عن إصدار الأوامر ذاتها هذه المرة، رغم أنها أمرت النساء في العاصمة بتغطية وجوههن.

أما في مكتب رئيس بلدية ميمنة، تؤكد مديرة الموارد البشرية قاهرة (26 عاما) التي ترتدي الحجاب "لا أحد يقول لنا ما الذي علينا أن نرتديه".

وشك لت سيطرة طالبان الخاطفة على أفغانستان مفاجأة حتى لعناصر الحركة.

لكن جهودهم لإدارة البلاد تواجه عقبات من بينها غياب الخبرة وهجرة الأدمغة والأزمة الإنسانية، فضلا عن ضغوط الدول الغربية التي جم دت أصول أفغانستان في الخارج.