دير مار موسى الحبشي في سوريا ينتظر زواره بعد سنوات من العزلة

أضيف بتاريخ 06/23/2022
أ ف ب


بعدما ضاق طيلة عقود بالزوار وشكل ملتقى لحوار الأديان، ينتظر دير مار موسى الحبشي الواقع في منطقة صحراوية نائية شمال دمشقزوارا  افتقدهم جراء عزلة فرضتها سنوات الحرب وطبيعة موقعه الجغرافي.


ويقول الأب جهاد يوسف، رئيس الدير الأثري الذي ش ي د في القرن السابع الميلادي على أنقاض برج روماني، لوكالة فرانس برس"مشتاقون لعودة الناس، ونرغب برؤيتهم مجددا  بيننا وهم يصل ون ويتأم لون، لعل هم يجدون في هذا المكان مساحة للهدوء والصمت والتفكر".


خلال سنوات الحرب، لم تلحق بالدير القريب من مدينة النبك والواقع على بعد حوالى مئة كيلومتر شمال العاصمة، أي أضرار مادية مباشرة. لكن  الضرر المعنوي كان كبيرا  مع اختفاء الأب الإيطالي باولو دالوليو الذي يعود له الفضل في ترميم الدير عام 1982 وتجديد الحياةالرهبانية فيه، في مدينة الرقة (شمال) صيف 2013. كذلك، تعر ض رئيس الدير السابق الأب جاك مراد للخطف لمدة أشهر عام 2015.


يضم  الدير الذي يفتقد بناؤه لأي شكل من أشكال البذخ أو الزخرفة، كنيسة تعود الى القرن الحادي عشر وفيها أيقونات وجداريات أثرية وكتابات باللغات العربية والسريانية واليونانية، بينها عبارة "بسم الله الرحمن الرحيم" و"الله محبة".


في عام 2010، وصل عدد زوار الدير الى ثلاثين ألفا ، قبل أن تنقطع الحركة تماما  إثر اندلاع النزاع في سوريا في 2011.


أما اليوم، فيقيم في الدير المؤلف من ثلاث طبقات ويضم غرفا  للزوار ومكتبة ضخمة ومزرعة للطيور، راهبين وراهبة مع شابين يختبران حياةالرهبنة، يأكلون مما يزرعون أو يحصلون عليه ويشربون من بئر مجاورة. ويقصد الدير بين الحين والآخر رهبان من أديرة أخرى.


عند ساعات الصباح الأولى، يخرج رئيس الدير إلى ساحة مطلة على الغرف المحفورة في الجبل، وينادي الموجودين للانضمام إلى الرهبانفي تناول الفطور.


ويقول يوسف "نحن هنا في دير بسيط يفتقر للكماليات. لا تتوف ر تغطية إنترنت أو هاتف، وي فسح الابتعاد عن صخب المدينة".


لم تبق المنطقة المحيطة بالدير بمنأى عن الحرب. ففي عام 2013، وقعت معارك عنيفة في مدينة النبك الوقعة على بعد 16 كيلومترا  عن الديرالذي سرعان ما أصبح تحت مرمى نيران تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على ريف حمص الشرقي المجاور في الفترة الممتدة بينالعامين 2015 و2017.


ويستعيد رئيس الدير تلك المرحلة بالقول "كنا قلقين للغاية. خشينا من الخطف أو القتل في أي لحظة، لا سيما بعد وصول تنظيم داعش إلىبلدة القريتين وخطف مسيحيين منها" إثر سيطرتهم عليها عام 2015.


ولا تفارق ذكرى الأب باولو قاطني الدير خصوصا  أنه جعل من الدير مقصدا  للزو ار والمصل ين، ومركزا  للحوار والتلاقي بين الأديان طيلةنحو ثلاثة عقود عرف فيهما المكان عصره الذهبي.


إثر اندلاع النزاع، عرف الأب باولو بعلاقته المتينة مع ناشطي المعارضة السورية، واعتماده مواقف حازمة ضد قمع التظاهرات الاحتجاجية،ما عك ر علاقته مع دمشق. وطلبت منه سلطات كنيسته مغادرة سوريا. فامتثل لطلبها قبل أن يعود لاحقا  الى مدينة الرقة في تموز/يوليو2013 ويتوج ه الى أحد مقرات تنظيم الدولة الاسلامية الذي كان ي عرف حينها باسم "دولة العراق والشام الاسلامية"، للمطالبة بإطلاقسراح ناشطين معارضين. واختفى اثره منذ ذلك الوقت.


ويقول يوسف "خطفه +داعش+ على الأرجح. لا يوجد لدينا أي خبر أكيد عن حياته أو موته"، مؤكدا  أنه "لم يتواصل أحد معنا بشأنه منأجل فدية أو أي مطالب أخرى".


ويضيف "اختبرنا الخوف بكل أنواعه إلى جانب العزلة التي منعت وصول الناس إلينا". وزاد تفشي فيروس كورونا خلال العامين الأخيرينالوضع سوءا .


بعد زوال أسباب العزلة، أعلن الدير الشهر الحالي إعادة فتح أبوابه أمام الزوار الذين لطالما تكب دوا عناء تسل ق 300 درجة لبلوغه، بسببموقعه على تلة صخرية وعرة.


وتفرض طبيعة الدير وخصوصية موقعه سكينة لا مثيل لها. ويتردد صدى كل كلمة أو صوت يصدر في أنحائه.


ويوضح الراهب يوسف الحلبي (48 سنة) لوكالة فرانس برس "خلا الدير من الزوار تقريبا . صرت أبحث عن طريقة أملأ بها وقتي الطويل(..) إذ مر ت سنوات كان عدد الزوار فيها صفرا ".


بعد انتهائه من صلاة الصباح اليومية أو بعد جلسة حوار في غرفة بسيطة علقت على جدرانها أيقونات ملونة، يتوجه الراهب ذو اللحيةالبيضاء الى مغارة قريبة يصنع فيها الشمع. ويشغل نفسه أحيانا  بالزراعة.


ويأمل الراهب الذي اختار طريق الرهبنة قبل 16 عاما  وكر س سنواته الأولى للعبادة وخدمة الزوار أن يقصد الناس الدير مجددا  "ليشاركوننا طريقة حياتنا".


ويقول "هنا فسحة للتنف س بعيدا  عن الضجيج والضوضاء".